الفيض الكاشاني

13

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

رأيت الصبح أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس وأن يجيء من يشغلني عن ربّي . وقال عبد الواحد بن زيد : طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة ، فقيل له : وكيف ذلك ؟ قال : يناجي الله في الدنيا ويجاوره في الآخرة . وقال ذو النون المصريّ : سرور المؤمن ولذّته في الخلق بمناجاة ربّه . وقال مالك بن دينار : من لم يأنس بمحادثة الله عزّ وجلّ عن محادثة المخلوقين فقد قلّ علمه وعمي قلبه وضيّع عمره . وقال ابن المبارك : ما أحسن حال من انقطع إلى الله عزّ وجلّ . ويروى عن بعض الصالحين أنّه قال : بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال ، فلمّا نظر إليّ تنحّى إلى أصل شجرة وتستّر بها فقلت : سبحان الله تبخل عليّ بالنظر إليك ؟ فقال : يا هذا إنّي أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفنى فيه عمري فسألت الله تعالى أن لا يجعل حظَّي من أيّامي في مجاهدة قلبي فسكَّنه الله عن الاضطراب ، وألفه الوحدة والانفراد ، فلمّا نظرت إليك خفت أن أوقع في الأمر الأوّل فإليك عنّي فإنّي أعوذ من شرّك بربّ العارفين وحبيب القانتين ، ثمّ صاح وأغمّاه من طول المكث في الدنيا ثمّ حوّل وجهه عنّي ، ثمّ نفض يديه ، وقال : إليك عنّي يا دنيا لغيري فتزيّني ، وأهلك فغرّي ، ثمّ قال : سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذّة الخلوة وحلاوة الانقطاع إليه ، ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان ، وعن الحور الحسان . فإذن في الخلوة أنس بذكر الله واستكثار من معرفة الله وفي ذلك قيل : وإنّي لأستنعس وما بي نعسة * لعلّ خيالا منك يلقى خياليا وأخرج من بين الجلوس لعلَّني * أحدّث نفسي عنك بالسرّ خاليا ولذلك قال بعض الحكماء : إنّما يستوحش الإنسان من نفسه لخلوّ ذاته عن الفضيلة فيكثر حينئذ ملاقاة الناس ، ويطرد الوحشة عن نفسه ، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم والحكمة .